الإعلانات

التواصل الاجتماعي

الدرس السادس والأخير (القاعدة الرابعة)

  • February 7, 2021

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيسر إخوانكم بمدينة الجديدة بالمملكة المغربية أن يستقبلوا هذا الإتصال ضمن سلسلة الإتصالات الهاتفية والتي يكون ضيفها في هذه الليلة فضيلة الشيخ أبي سعيد يعقوب البنا حفظه الله من دولة الإمارات العربية المتحدة حرسها الله وسائر بلاد المسلمين، والآن مع الدرس السادس والأخير لشرح متن القواعد الأربع للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله

قال المصنف رحمه الله القاعدة الرابعة أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركوا زماننا شركهم دائمٌ في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) تمت وصلى الله على نبينا محمدٍ واله وصحبه وسلم.

التعليق:

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد:

فالمصنف رحمه الله ختم هذه القواعد بهذه القاعدة العظيمة ألا وهي أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من المشركين الأولين، وذكر رحمه الله السبب وذكر الدليل على ذلك، فالسبب هو أن المشركين الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، أي أن الكفار كانوا يشركون في حالةٍ واحدة في حالة الرخاء دون الشدة أي في حالة السراء وفي حالة الصحة والعافية والأمن ويخلصون في الشدة أي في حالة الشدة والكرب يخلصون العبادة لله تعالى ويلجؤون إلى الله تعالى بالدعاء دون سواه.

فشرك الأولين في حال الرخاء وإخلاصهم في حال الشدة، وذكر المصنف رحمه الله الدليل على ذلك من القرآن قال الله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين)، أي أن الكفار إذا ركبوا البحر وتوسطوا به وعصفت بهم الريح القوية وارتفعت عليهم الأمواج حتى أصبحت كالظلل والجبال فأدركوا أنهم هلكى وغرقى علموا حينئذٍ أنه لا ينجيهم من هذه الأمواج المتلاطمة إلا الله وحده دون سواه، فلهذا تركوا ما سوى الله ولجأوا إلى الله عز وجل؛ لأنهم يعلمون علم اليقين أن هذه الأصنام لا تملك لهم نفعاً ،ولا ضراً، ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى وحده دون سواه هو الذي بيده النفع والضر، فلهذا لجأوا إليه بالدعاء، لكن إذا نجو من هذه الأمواج العاتية ورست بهم الفلك على ساحل البحر، أي وصلوا إلى بر الأمان عادوا إلى شركهم، وقد ذكر الله تعالى ذلك في عدة مواضع من كتابه قال الله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريحٍ طيبة وفرحوا بها)، أي إذا جرت بهم الفلك بريح هادئة وفرحوا بها ثم بعد هذا الفرح عصفت بهم الريح يميناً وشمالاً قال (جاءتها ريحٌ عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم))، أي أيقنوا أنهم سيهلكون لما شاهدوا هذه الأمواج التي علت عليهم كالجبال من كل جهة حينئذٍ يتوجهون إلى الله وحده دون سواه قال: (دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما نجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) أي لما نجاهم إلى البر عادوا لشركهم وكفرهم كما كانوا، وقال الله تعالى أيضاً في سورة الإسراء: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)، أي إذا أصابكم الكرب في البحر بارتفاع الأمواج عليكم فأيقنتم الهلاك، قال: (ضل من تدعون إلا إياه) أي تنسون ما كنتم تعبدون من دون الله في حال الرخاء، لما كنتم تعبدون هذه المعبودات الباطلة تنسونها حينئذٍ لما يصيبكم الضر في البحر، تنسون هذه المعبودات وتلجأون إلى الله بالدعاء ليخلصكم من هذا الكرب، قال: (فلما نجاكم إلى البر أعرضت وكان الإنسان كفوراً) أي لما نجاكم الله من الهلاك ووصلتم إلى بر الأمان أعرضتم عن عبادته وعدتم إلى الشرك مرةً أخرى، ثم قال: (أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر)، أي هل تأمنون على أنفسكم الهلاك وأنتم في البر، فالذي أرسل عليكم الريح في البحر وجعل الأمواج تعلو عليكم كالجبال والظلل قادرٌ على أن يطبق عليكم الأرض وهذا الهلاك يكون من تحت أرجلهم، ثم ذكر الهلاك الذي يكون من فوق رؤوسهم، قال: (أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدون لكم وكيلا)  أي هل تأمنون على أنفسكم العذاب من فوق رؤوسكم بإرسال ريحٍ فيها حجارة تنزل عليكم من السماء فتهلككم، هل تأمنون؟ لا تأمنون على أنفسكم العذاب والهلاك وأنتم في البر والرخاء، فالذي نجاكم في البحر هو الذي سينجيكم في البر فاعبدوا الله وأخلصوا له الدعاء في البر وفي الرخاء كما أخلصتم له في البحر وفي الشدة، فالله قادرٌ عليكم في البر والبحر وفي الشدة والرخاء، ثم قال: (أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارةً أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجد لكم علينا به تبيعا)، أي أنكم ستحتاجون إلى ركوب البحر مرةً ثانية، فهل تأمنون على أنفسكم العذاب والهلاك بعد إذ نجاكم في المرة الأولى، أي بأن يرسل عليكم ريحاً عاتية حتى تعلو عليكم كالأمواج فتهلكون، هل تأمنون ذلك على أنفسكم؟ الجواب لا.

وقد ذكر الله تعالى أن بعض الكفار اتعظ مما أصابه في البحر فأخلص له الدعاء في البر كما أخلص له الدعاء في البحر، ومنهم من عاد إلى الشرك بعد أن وضع قدميه على البر، يقول الله تعالى: (وإذا غشيهم موجٌ كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختارٍ كفور)، ويقول الله تعالى: (وإذا مس الناس ضرٌ دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريقٌ منهم بربهم يشركون). أما مشركوا زماننا فهم أعظم وأغلظ شركاً من الأولين، لماذا؟ لأن شركهم دائم في حال الرخاء والشدة، وفي حال الشدة يشتد شركهم وترتفع أصواتهم بالدعاء لغير الله عز وجل، يقولون: يا بدوي مدد يا جيلاني مدد يا عبدالقادر مدد يا عيدروس مدد يا رفاعي مدد يا حسين مدد هكذا يهتفون بأسمائهم ويستغيثون بهم من دون الله، ثم تجد بعض الناس يبرؤونهم من الشرك ويهونون من دعائهم واستغاثتهم بغير الله، ويقولون عنهم أنهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ويتصدقون، فكيف تجعلون شركهم أشد وأغلظ من شرك الكفار؟! أي كيف تجعلون شركهم أشد من شرك أبي جهل ومن شرك أبي لهب؟! كيف تقولون هذا عن أناسٍ ينتسبون إلى الإسلام؟!  كيف تقولون هذا عن أناسٍ ينطقون الشهادتين ويقولون لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله؟! لا هذا لا يعقل، هكذا يقولون هذا لا يتصور أن يصدر من مسلم تجاه أخيه المسلم، لا أنتم عندكم تشدد أنتم عندكم تزمت وغلو وتطرف وتكفير.

نقول لهم إن الإسلام بريءٌ منهم ومن أفعالهم الشركية، فكل من جعل شيئاً من العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك، كفار قريش كانوا يشركون في حالةٍ واحدة في حالة الرخاء، وهؤلاء يشركون في الحالتين في الرخاء والشدة فشركهم دائم، أي في السراء والضراء، بل كلما اشتد عليهم الكرب كان شركهم أشد وأعظم، فلا تنفعهم صلاتهم ولا صيامهم ولا صدقاتهم ولو قالوا لا إله إلا الله لا تنفعهم هذه العبادات مع الشرك، ولا تنفعهم هذه الكلمة مع صرف العبادة لغير الله؛ لأن الشرك يحبط الأعمال، كما قال الله تعال: ( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) فالعبادة لا تكون إلا مع الإخلاص، أما مع الشرك فلا تسمى عبادة، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، مهما صليت من غير طهارة فلن تقبل صلاتك.

فتجد من الناس من يبرر لهؤلاء الذين يستغيثون بالأموات ويرمون أهل التوحيد بالشدة، ويقولون أنتم فرقتم الناس وفرقتم كلمة المسلمين هكذا يقولون، فالجواب على هذه الفرية أن من أسماء القرآن الفرقان؛ لأن القرآن يفرق بين الحق والباطل، فكيف لا نتبرأ ممن صرف العبادة لغير الله، كيف نقرهم على الكفر والشرك ونكون معهم.

أخبروني ما هو الإسلام؟ الإسلام هو الاستسلام  لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، فنتبرأ من الشرك وأهله نتبرأ من أفعالهم الشركية كالدعاء لغير الله والاستغاثة بغير الله والذبح لغير الله إلى آخر هذه العبادات التي يصرفونها لغير الله، كيف نجتمع معهم ويكونون منا؟! لا هذا لا يجوز نحن أهل السنة والجماعة، أي نتمسك بالسنة ونجتمع عليها، نجتمع على الحق أي على الكتاب والسنة وعلى التوحيد والإخلاص ،لا أن نجتمع على الكفر والشرك وعبادة غير الله عز وجل هذا هو الضلال المبين والعياذ بالله.

فهؤلاء يأتون بالشبه ليلبسوا على الناس، يقولون أن هؤلاء من محبتهم للأولياء والصالحين يطلبون منهم ليطلبوا من الله لنا، فكيف تجعلونهم كالكفار؟! يقولون الكفار كانوا يعبدون الأحجار والأصنام، وهؤلاء يحبون الأولياء والصالحين فالجواب على هذه الشبهة أن الأصنام هي في الحقيقة صور لأناس صالحين، لكن لما هلكوا أوحى الشيطان إلى أقوامهم أن انصبوا في مجالسكم أنصاباً بأسمائهم حتى إذا هلك هؤلاء القوم وجاء الذين من بعدهم وقد نُسي العلم عبدت من دون الله، كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في قوله تعالى: (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا) قال رضي الله عنه هذه أسماء رجالا صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت، فالشيطان يتدرج بهم، يتدرج بهم ويلبس عليهم له خطوات أولاً قال: لأقوامهم انحتوا الحجارة على صور الصالحين لتكون تماثيل، ثم إذا رأيتم صورهم في هذه التماثيل وتذكرتم عبادتهم لله تعالى اجتهدتم في العبادة، ففعلوا ولم تعبد، لكن لما هلك هذا الجيل وجاء الجيل الذي بعده أوحى إليهم الشيطان أن آباءكم كانوا يعبدون هذه التماثيل فاعبدوها فعبدوها من دون الله عز وجل، كما غير واحدٍ من السلف: “فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوها”.

فعباد القبور أعظم وأغلظ شركاً من المشركين الأولين، الكفار عبدوا الصالحين بعد أن صوروا تماثيلهم، أما هؤلاء عبدوا الزنادقة الفجرة الذين يرتكبون الفواحش كالزنا واللواط وشرب الخمور وأكل أموال الناس بالباطل لا يصلون ولا يصومون ولا يأتون بأي عبادة، يقولون أنه رفع عنهم قلم التكليف يسمونهم الأقطاب والأغواث والأبدال ويعتقدون فيهم أن لهم تصرفاً في الكون وفي النجم الفلاني والكوكب الفلاني كالبدوي والحلاج وابن عربي، كل هذا من الشرك والكفر والضلال فشركهم أعظم وأغلظ من شرك أبي جهل وأبي لهب حتى أنه يقال للمريد إن أردت أن تُكشف كربتك وتقضى حاجتك اجلس إمام جلسة الخاشع الساكن، فإن الشيخ يدري حاجتك وسيقضيها لك دون أن تتكلم، فشركهم أعظم من شرك الأولين .

كفار قريش كأبي لهب وأبي جهل يعرفون معنى لا إله إلا الله، أي يعرفون أن من قالها وجب عليه أن يعبد الله وحده دون سواه فلهذا أبوا أن يقولوا لا إله إلا الله كما قال الله تعالى عنهم: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) أي يمتنعون عن قول هذه الكلمة الطيبة كبراً والعياذ بالله لأنهم يعرفون معناها أي أنهم إذا قالوها وجب عليهم أن يعبدوا الله وحده ويتركوا ما سواه من الآلهة الباطلة، أيضاً قال الله تعالى عنهم (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب).

أما مشركوا زماننا فإنهم لا يعلمون معنى لا إله إلا الله، يقولون أن معناها لا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله ولا مدبر إلا الله ولا رازق إلا الله ولا مخترع إلا الله، نعم هذه المعاني صحيحة، لكن ليس معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا مالك إلا الله أو لا مدبر إلا الله إلى آخر هذه المعاني التي تتعلق بالربوبية لا، إنما معنى هذه الكلمة لا معبود بحق إلا الله، أي أنك لا تعبد أحداً سوى الله سبحانه وتعالى؛ لأن العبادة حقٌ خالصٌ لله تعالى لا يشاركه فيها أحد.

فعباد القبور وغيرهم من مشركي زماننا هؤلاء أعظم وأغلظ شركاً من الأولين؛ لأنهم يشركون في الرخاء والشدة، أما الكفار فيشركون في الرخاء دون الشدة، في الشدة يخلصون الدعاء والعبادة لله تعالى.

فعرفنا من هذا أن مشركي زماننا شركهم أعظم من شرك الأولين فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيينا على التوحيد وأن يميتنا على التوحيد وأن ينجينا من الشرك كله صغيره وكبيره دقيقه وجليله عظيمه ويسيره.

وختم المصنف بعد ذلك هذه الرسالة العظيمة المباركة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وبارك الله فيكم وصلى الله على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ